أرشيف المدونة الإلكترونية

الخميس، 18 يونيو 2026

تأسيس دولة أولاد إمحمد الفاسي في فزان

تأسيس دولة أولاد إمحمد الفاسي في فزان ((منقول))

تُعدّ دولة أولاد إمحمد الفاسي من أبرز الكيانات السياسية التي حكمت إقليم فزان، وقد خلّفت أثراً عميقاً في تاريخ المنطقة. غير أن تحديد تاريخ تأسيسها بدقة ظلّ موضع جدل واسع، إذ تتباين الروايات بين من يرجعها إلى القرن الثامن الهجري ومن يرى أن الأدلة لا تتجاوز القرن العاشر الهجري. وفيما يلي استعراض نقدي للأدلة المتاحة.

أولاً: ما قاله الرحالة الأوروبيون                                                                                  زار المستكشف الألماني هورنمان مرزق عام 1798م وكتب أن أسلاف الأمير غزوا فزان منذ نحو خمسمائة عام. لكن عند قراءة النص بتمعن نجد أنه صدّر كلامه بعبارة "يُقال" — أي أنه ينقل ذاكرة شفهية لا وثيقة تاريخية. وهذا جوهري لأن المجتمع الفزاني لم يكن يؤرّخ بالسنوات بل بالأحداث: "عام الطليان"، "عام السيل"، "من عام جدي". فعبارة "خمسمائة عام" تحتمل جداً أن تكون مبالغة شعبية لأحداث لا تتجاوز منتصف القرن السادس عشر.                                                                                                                                        ــ أما المستكشف الفرنسي دوفرييه في كتابه "طوارق الشمال" فقد روى أن شريفاً مغربياً اسمه المنتصر مرّ بفزان ذاهباً للحج، فاستنجد به أهلها من ظلم قبيلة الخرمان، فعاد واستأذن والده ثم نصر الفزانيين وانتخبوه سلطاناً فتأسست سلالة أولاد محمد. وذكر دوفرييه أن الشريف — ويقصد هنا الجد إمحمد الفاسي — وجد في مرزق بضع زرائب وأكواخ من السعف فجعلها مسكنه، وكونه رجلاً صالحاً "فتح مدرسة جذبت الكثير من الناس حوله."

لكن دوفرييه وقع في تناقض صريح: في موضع يقول الدولة تأسست عام 1261م، وفي موضع آخر يقول إن مرزق أُسست حوالي 1310م، ويُقرّ نفسه بأن تاريخ 1261 "قابل للنقاش". والسبب واضح: هو أيضاً اعتمد على ذاكرة السكان لا على وثائق.

ثانياً: دوفرييه يُثبت وجود الجيل الوسيط .                                                              من أهم ما يمكن استخلاصه من كلام دوفرييه أنه ذكر أن المنتصر عند عودته من المدينة المقدسة "حصل من والده على الإذن" بمساعدة الفزانيين. وهذا الوالد الذي استأذنه المنتصر لا يمكن أن يكون إمحمد الفاسي مباشرةً، لأن إمحمد هو الجد الذي فتح المدرسة في مرزق وأسس الوجود الديني في المنطقة. فالوالد الذي استأذنه المنتصر هو بالضرورة الناصر / امعرف— أي الجيل الحاكم الوسيط بين إمحمد والمنتصر. وبهذا يكون دوفرييه نفسه يُثبت وجود هذا الجيل الوسيط دون أن يعرف اسمه أو يتوقف عنده.

ثالثاً: شاهد دوفرييه على ما قبل أولاد إمحمد / بن تامر والماي علي.                               مما يُحسب لدوفرييه أنه لم يقتصر على رواية تأسيس الدولة، بل أشار إلى ما هو أقدم منها. فقد تحدث عن وجود سندات قديمة لدى عائلة بن تامر في تراغن تتكلم عن البرنو كأصل لتراغن، وهو ما يدل على أن عائلة بن تامر كانت موجودة في المنطقة قبل أولاد إمحمد وجذور منطقة تراغن تمتد إلى مملكة برنو. كما أشار إلى قبر الماي علي وأنه زاره، والماي لقب سلاطين برنو، مما يؤكد أن فزان عرفت حضوراً سياسياً وبشرياً راسخاً قبل قيام دولة أولاد إمحمد الفاسي بزمن طويل. وهذا يُضعف فكرة أن الدولة تأسست في فراغ تاريخي.

رابعا المصادر المحلية                                                                                   ابن غلبون في كتابه "التذكار" أشار إلى وجود سلطان قبل المنتصر أسماه الناصر. والمستشرق كراوزه الذي اطّلع على مخطوط مالطا ومخطوط مرزق قال إن هذا السلطان مجهول الاسم وأنه أخٌ لشاروما بن إمحمد الفاسي. أما وثائق الزيادين فأسمته "امعرف". وبتقاطع هذه الروايات الثلاث — ابن غلبون وكراوزه ووثائق الزيادين — يتبيّن بوضوح وجود جيل حاكم وسيط بين إمحمد الفاسي والمنتصر.

وتتفق مخطوطات مالطا والجديد والخوجة على أن المنتصر جاء في مرحلة مبكرة جداً من عمر الدولة وأنه مؤسسها الحقيقي، بينما كان إمحمد الفاسي الجذر الديني الذي فتح مدرسة وأسس الوجود الروحي والتعليمي في مرزق كما وصفه دوفرييه.

خامساً: زواج المنتصر.                                                                               تكشف المصادر أن المنتصر تزوج من خوذ بنت عمّه شاروما. وهذه المعلومة حاسمة: فإذا كانت خوذ بنت شاروما، وشاروما هو ابن إمحمد الفاسي، فإن المنتصر الذي تزوج ابنة عمه يكون بالضرورة حفيداً لإمحمد الفاسي لا ابناً مباشراً له. وهذا يتطابق تماماً مع ما أشار إليه ابن غلبون وكراوزه ووثائق الزيادين من وجود الجيل الوسيط الحاكم، وهو الناصر / امعرف.

فتكون الصورة الكاملة لتسلسل الأجيال على النحو التالي:

- إمحمد الفاسي//  الجد، قدم من المغرب، رجل دين وعلم، فتح مدرسة في مرزق وجذب الناس حوله

- الناصر / امعرف // الابن، الجيل الحاكم الوسيط، هو الوالد الذي استأذنه المنتصر كما أشار دوفرييه

- شاروما //  ابن إمحمد أيضاً، أخ للناصر / امعرف، ابنته خوذ تزوجت المنتصر

- المنتصر// الحفيد، المؤسس العسكري والسياسي الفعلي للدولة

سادساً: ما انتهى إليه الباحثون المعاصرون                                                        الدكتور الحبيب أوداعة الحسناوي في رسالته الأكاديمية أرجع الدولة إلى سنة 900 هجري / 1494 ميلادي بناء على حبس بن تامر الذي كتب سنة 1050 هجري. ثم في محاضرته الأخيرة بجامعة فزان بتاريخ 19 مايو 2026 عدّل موقفه ورجّح أن التأسيس كان عام **924 هجري / 1518 ميلادي بناءا على نفس الحبس**، ويوافقه في ذلك الدكتور محمد الطاهر الجراري. وأشار الدكتور أوداعة أيضاً إلى احتمال مهم وهو أن الدولة ربما **تأسست في سبها أولاً** ثم نقل المنتصر مركز الحكم إلى مرزق.

غير أن الدكتور أوداعة رغم اطلاعه على كراوزه وابن غلبون لم يأخذ بصريح دلالتهما في وجود الجيل الوسيط، واختار القول بأن شاروما هو أخٌ لإمحمد الفاسي لا ابنٌ له — محاولةً منه للتوفيق بين زواج المنتصر من خوذ وبين المخطوطات المحلية التي تصف المنتصر بأنه ابن إمحمد المباشر. وهذا تناقض أكاديمي لافت يكشف أن الملف لم يُغلق بعد.

مما سبق نرى أن أقوى دليل على استحالة التواريخ المبكرة هو أن المنتصر توفي إبّان الحملة العثمانية على فزان في القرن العاشر الهجري رفقة جده إمحمد الفاسي، فكيف يكون قد أسّس دولةً في القرن الثامن؟

الصورة الأقرب للصحة أن إمحمد الفاسي قدم من المغرب ورسّخ وجوداً دينياً وتعليمياً في مرزق، ثم جاء ابنه الناصر / امعرف فحكم، ثم جاء حفيده المنتصر فأسّس الدولة سياسياً وعسكرياً، ربما انطلق من سبها ثم جعل مرزق عاصمته. وتاريخ **1518 ميلادي / 924 هجري** هو الأرجح للتأسيس في ضوء أحدث الدراسات

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

نسب قبيلة اولاد حضير ((الحضيرات))

  نسب قبيلة اولاد حضير ((الحضيرات)) ((منقول)) ال الحضيري هناك روايتان أساسيتان حول نسب قبيلة الحضيري/الحضيرات، وهذا أمر شائع في كثير من ال...